السبت، 25 فبراير، 2017

موقف المغرب من التطورات الأخيرة للأوضاع السياسية في عدد من البلدان الإفريقية

موقف المغرب من التطورات الأخيرة  للأوضاع السياسية في عدد من البلدان الإفريقية

كما تعلمون، عرفت عدد من البلدان الإفريقية حالات عدم الاستقرار السياسي والأمني خلال السنة الماضية وبداية هذه السنة حيث عاشت أوضاعا مضطربة ناتجة عن صراعات داخلية أثرت سلبا على أمنها واستقرارها.

وفي هذا الصدد، عرفت جهتي الساحل والصحراء وإفريقيا الوسطى حالة تدهور أمني حاد كان من تداعياتها استفحال ظاهرتي التمرد والإرهاب، الأمر الذي يهدد استقرار هذه الجهات برمتها مما دفع المنظمات الجهوية الإفريقية والجهات الأخرى المعنية إلى اتخاذ قرار التدخل العسكري من أجل وضع حد لتأثير هذه الأزمات السياسة و بؤر التوتر.

و إذا كانت هذه الأوضاع تهدد بشكل عام، السلم و الأمن في القارة وتنسف الجهود المبذولة للرفع من وتيرة تنميتها. ، فإنها في أصلها و تداعياتها تختلف من بلد لآخر. إن التأمل في هذه الأوضاع يوضح لنا جليا أن أسبابها داخلية بحتة و بالتالي اختلفت مساراتها و انعكاساتها الجهوية، و ذلك كما يتضح من الجرد السريع لكل حالة على حدة.

1- الأوضاع في جمهورية إفريقيا الوسطى


بدأت الأحداث الأخيرة في هذا البلد بشن حركة التمرد المسماة "تحالف سيليكا " (أربعة مجموعات متمردة مسلحة ) هجوما كاسحا على القوات الحكومية و تمكنت خلال شهر ديسمبر الماضي من احتلال عدد كبير من مدن جمهورية إفريقيا الوسطى و وصلت إلى أقل من 150 كلم من العاصمة بانغي . و لضمان أمن العاصمة ، طلبت الحكومة تدخل القوات التشادية ،الحليف السابق للنظام و وافق التشاد على إرسال عدد محدود من قواته العسكرية لفك الاشتباك فقط، بينما رفضت فرنسا القيام بأي تدخل عسكري وقامت بإرسال قوات لحماية مواطنيها و إجلائهم.
وبعد تدخل رئيس بنين بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، تعهد رئيس إفريقيا الوسطى بفتح مشاورات لتكوين حكومة تحالف وطني تضم المعارضة و ممثلي المجتمع المدني و بعدم تعديل الدستور بصفة انفرادية للاستمرار في الحكم.
و لقد تكللت جهود المجموعة الاقتصادية لإفريقيا الوسطى المطالبة بتغليب منطق الحوار بين الفرقاء الثلاث :رئيس الدولة ، المعارضة المسلحة و المعارضة السياسية، بالنجاح في إطار لقاء ليبروفيل ، العاصمة الغابونية، من 8 إلى 11 يناير الجاري ،و الذي تم الاتفاق فيه على:
  • وقف إطلاق النار و الانسحاب التدريجي للقوات المتمردة ،
  • بقاء الرئيس الحالي إلى غاية 2016،
  • تشكيل حكومة وحدة وطنية يترأسها وزير أول من المعارضة ،
  • تحديد مدة انتقالية من سنة واحدة تنظم بعدها الانتخابات التشريعية،
و تطبيقا لهذا الاتفاق ، تم يوم 17 يناير 2013، تعيين الوزير الأول الجديد لإفريقيا الوسطى المحامي Maître Nicolas TIANGAYE ، رئيس سابق لرابطة حقوق الإنسان.


2- الأوضاع بجمهورية الكونغو الديمقراطية:

تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ شهر ماي 2012 حركة تمرد وعنف شرق البلاد .و تشير أصابع الاتهام إلى دول الجوار خاصة رواندا في ضلوعها في دعم المتمردين المنضوين تحت لواء حركة 23 مارس، و اتهمها الكونغو رسميا بذلك .
و لقد تأسست هذه الحركة في شهر ماي 2012 من طرف الكولونيل MAKENGA، عضو سابق في المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب(CNDP)، في تمرد على السلطات، رغم أن أعضاءها السابقين تم إدماجهم ضمن القوات المسلحة الكونغولية. وتطالب هذه الحركة بتطبيق مقتضيات الاتفاقية المبرمة في 23مارس2009 بكينشاسا، بين الحكومة الكونغولية والحركة وبتطوير الأوضاع الأمنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالبلاد.
و لقد أجبرت الجماعات المسلحة المتواجدة في منطقة Nord-Kivu، شرق الكونغو، والتي ينتمي أعضاؤها إلى جنسيات مختلفة كونغولية و اوغندية و رواندية و بوروندية، أزيد من 100.000 شخص، خلال السنة الماضية، على مغادرة منازلهم والرحيل إلى مناطق داخلية وإلى رواندا و أوغندا.
وفي ظل هذه الأوضاع الأمنية المتدهورة ومن أجل بعث الاستقرار في المنطقة عقد المؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات العظمى (CIRGL) عدة لقاءات لتفادي انزلاق الوضعية الأمنية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وقد أسفرت هذه الاجتماعات على اتخاذ مجموعة من القرارات من بينها على الخصوص، تشكيل قوة دولية محايدة يعهد إليها بمهمة مراقبة الحدود الكونغولية-الرواندية وكذا تفكيك الجماعات المسلحة التي تنشط هناك.وتتكون القوة من حوالي 4000 فرد تضم مدنيين و عسكريين وقوات شرطة تنتمي لعدة دول افريقية.
ونظرا لتواصل تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، خاصة بعد سيطرة متمردي حركة 23 مارس على مدينة جوما GOMA، عاصمة الشرق الكونغولي، تم عقد قمة لمجموعة لمنطقة البحيرات العظمى CIRGL ، يوم 24 نونبر بكامبالا (أوغندا)، حيث طالبت المجموعة الحركة بالانسحاب الفوري من مدينة جوما، و الحكومة الكونغولية بالالتزام بالتفاوض مع الحركة.
وأدى انسحاب الحركة من مدينة جوما في الفاتح من دجنبر 2012 ، إلى استئناف المفاوضات بين الحكومة الكونغولية والحركة. ولم تسفر الجولة الأولى من المباحثات عن أية نتيجة. ولقد استأنفت المفاوضات بتاريخ 11 من الشهر الحالي حيث تم خلالها، لحد الساعة، المصادقة على جدول أعمال المفاوضات بين الطرفين والذي يتضمن أساسا ،بحث تطبيق اتفاقية 2009 والحد من تدهور الأوضاع بالبلاد.
ويتضح هنا أن الوضعية الأمنية المتدهورة الحالية بشرق الكونغو الديمقراطية ناتج عن تداعيات صراعات سياسية ترجع إلى أكثر من عقدين من الزمن. وتحاول الأمم المتحدة منذ شهر مارس 2001 ، تطويق التداعيات الإقليمية لهذه الأزمة بنشر قوة أممية (MONUSCO) من 17.000 فرد من مختلف الجنسيات ، يساهم المغرب فيها بما يناهز700 فرد.
و في الختام، يجدر التأكيد إلى أن السبب الرئيسي لتدهور الوضع الأمني في جمهورية الكونغو الديمقراطية راجع إلى عجز سلطات البلاد في السيطرة على الأوضاع المترتبة عن صراع داخلي وعرقي، من جهة ، وصراع إقليمي بين الدول المجاورة ، من جهة ثانية، تذكيه أطماع الدول المجاورة في ثروات هذه البلاد الشاسعة المساحة .


3 - الأوضاع بجمهورية مالي:


تعتبر الأزمة الراهنة بجمهورية مالي بتداعياتها الإقليمية على السلم و الأمن بمنطقة الساحل و الصحراء ، القضية الأكثر إلحاحا علينا في الوقت الراهن ، نظرا لعمق الروابط التاريخية والاجتماعية والحضارية التي تجمع المغرب بدولة مالي.
وعند اندلاع الأزمة السياسية والأمنية باستيلاء الجيش على السلطة يوم 22 مارس 2012 ، كانت بلادنا سباقة إلى التأكيد على رفضها لأي استيلاء على السلطة بالقوة وحرصها على وحدة واستقرار جمهورية مالي ودعت الفرقاء الماليين إلى الالتزام بمقتضيات الدستور واحترام المؤسسات المنتخبة، كما أكدت حرصها على استقلال مالي ووحدتها واستقرارها خاصة بعد استيلاء المجموعات المسلحة على شمال البلاد.

ونظرا لوعي بلادنا بخطر تداعيات هذه التطورات على المنطقة ، أكدت على ضرورة تكاثف جهود دول المنطقة برمتها، في تعاون وثيق مع المنظمات الجهوية ذات الصلة، لمواجهة هذه المعضلة. باعتبار أن الحل السياسي المتوافق عليه من أطراف الصراع والمبني على احترام الآليات الدستورية والعودة إلى شرعية وسيادة القانون هو الكفيل بتجنيب الشعب المالي وشعوب المنطقة الآثار السلبية للأزمة السياسية الداخلية ، كما أنه سيمكن من إدارة الأزمة بشمال مالي بطريقة سلمية في إطار مؤسسات الدولة وبالشكل الذي يحفظ الوحدة الترابية لهذا القطر الشقيق .

و رغم تسارع الأحداث بشكل كبير و بداية العمليات العسكرية، إلا أن بلادنا ما فتئت تؤكد على أهمية إيجاد حل سياسي للأزمة في إطار مقاربة مندمجة تحقق التنمية المرجوة لكل مناطق دولة مالي.
و لتجسيد التضامن الفعلي مع الأشقاء في مالي، قامت بلادنا بمبادرات عدة على المستوى السياسي حيث دعمت كل الجهود الجهوية و الدولية الرامية إلى حل الأزمة، بما فيها جهود مجلس الأمن و المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO)، كما قدمت عدة مساعدات إنسانية لفائدة الشعب المالي.

و خلاصة القول، أن المملكة المغربية واعية بضرورة المساهمة في استتباب الأمن والاستقرار القاريين وفي انسجام تام مع الأبعاد التاريخية والتضامنية التي تطبع توجهات سياستها الخارجية على المستوى الإفريقي، دأبت على تقديم المساعدة والدعم اللازمين للتصدي لكل ما من شانه أن يهدد السلام بالقارة. و لم تذخر بلادنا جهدا لتلبية مختلف طلبات المساعدة المقدمة من الدول والمنظمات الجهوية والدولية.
لقد ساهمت مختلف الجهود المبذولة من طرف بلادنا على المستوى الثنائي أو من خلال عضويتها في المنظمات الجهوية الإفريقية (تجمع دول الساحل والصحراء "CEN-SAD" و المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا "CEDEAO") أو الدولية ، بصفتها عضوا غير دائم بمجلس الأمن للأمم المتحدة، في دعم اتخاذ القرارات المناسبة للحد من الأزمات السياسية بإفريقيا وتداعياتها الأمنية والإنسانية.

و في هذا الإطار، نستحضر الدور الهام الذي تلعبه القوات المسلحة المغربية في مختلف البعثات الأممية لحفظ السلام بالعديد من الدول الإفريقية الصديقة ومساهمتها الكبيرة في النهوض بالأوضاع الإنسانية بهذه البلدان. كما لا يمكن إغفال الجهود المبذولة على الصعيد الدبلوماسي من خلال إجراء العديد من الزيارات و التشجيع على عقد اللقاءات الرامية إلى توحيد الرؤى وتنسيق المواقف لضمان النجاح الأمثل لكل تدخل يروم إلى تحقيق الأمن والاستقرار بالقارة.

23/01/2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق